أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
37
شرح مقامات الحريري
وغير ذلك ، فقال له : أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [ طه : 20 ] . فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ [ القصص : 31 ] . أي لم ينظر فنودي : لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ [ القصص : 31 ] الآيات . فسأل اللّه تعالى أن يرسل معه أخاه هارون ردأ ، أي عونا لكونه كان أفصح منه لسانا للجمرة التي كانت أحرقت لسانه في صغره ، فثقل لسانه فقال تعالى : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ [ القصص : 35 ] . فأقبل موسى إلى أهله فصار بهم إلى مصر ، فدخلها ليلا ، فنزل ضيفا بأمه وأخيه ، وهم لا يعرفونه ، وهارون غائب ، فنزل بجانب الدار ، وجاء هارون فسأل عنه أمّه فأخبرته أنه ضيف ، فدعاه وأكل معه ، ثم سأله : من هو ؟ فقال : أنا موسى ، فقام كلّ واحد منهما لصاحبه واعتنقه . فقال له موسى : يا هارون ، إن اللّه قد أرسلني وإياك إلى فرعون ، فانطلق معي ، فقال : سمعا وطاعة ، فصاحت أمهما ، وقالت : نشدتكما اللّه تعالى ألا تذهبا إليه فيقتلكما ! فسكّناها ثم انطلقا إليه ليلا في قول السدّيّ وضربا الباب ، فكلمهما البواب ، فقالا له : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 18 ] ، ففزع البواب ، فأتى فرعون فأخبره أن مجنونين بالباب يزعمان كذا ، فقال : أدخلهما . وأما ابن إسحاق فحدث أنهما وقفا على باب فرعون ، يلتمسان الإذن ، يغدوان ويروحان سنتين ، وفرعون لا يعرف بهما حتى دخل ملةّ له ، فقال له : أيها الملك ، إن على الباب رجلا أنّ له إلها غيرك ، فقال : أدخلوه ، فدخلا وبيد موسى عصاه ، فلما وقفا عرفه فرعون ، فقالا : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 16 ] ، فجاوبه بقوله أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [ الشعراء : 18 ] الآيات ، ثم ذكّره أياديه قبله . فقال له موسى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 18 - 22 ] ، أي اتخذتهم عبيدا ، تقتل من شئت وتسترقّ من شئت . فقال له وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] فأراه الآية الكبرى في العصا ، أن ألقاها فإذا هي تعبان مبين ، ملأت ما بين السماطين فاتحة فاها ، قد صار محجنها على ظهرها ، فارفضّ الناس ، ومال فرعون عن سريره ، فناشد موسى ربّه ، فأدخل يده في جيبه ، فأخرجها بيضاء كالثلج ، ثم ردّها ، فعادت هيئتها ، ثم وضع يده على الحيّة فصارت عصا كما كانت أول مرة ، وأخذ فرعون بطنه - وكان فيما يزعم يمكث الخمس والسّت ولا يلتمس الخلاء - وكان ذلك مما زيّن له أنه ليس له شبيه في الناس - فقال لملئه : إن هذا لسحر عظيم ، فجمع السحرة ، ووعدهم ليوم العيد ، وأن يحشر الناس ضحى ، يحضرون أمرهم مع موسى ، فاجتمعوا لذلك اليوم ، فصف خمسة عشر ألف ساحر ، كلّ ساحر له نوع من السحر ، فخرج موسى يتوكأ على عصاه ، حتى أتى الجمع ، وفرعون في مجلسه مشرف على وجوه أهل مملكته